فخر الدين الرازي

199

تفسير الرازي

عدواً قال : " اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم " وكان يقول : " اللهم بك أصول وبك أجول " . المسألة الثالثة : الإفراغ الصب ، يقال : أفرغت الإناء إذا صببت ما فيه ، وأصله من الفراغ ، يقال : فلان فارغ معناه أنه خال مما يشغله ، والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه ، وإنما يخلو بصب كل ما فيه . إذا عرفت هذا فنقول قوله : * ( أفرغ علينا صبراً ) * يدل على المبالغة في طلب الصبر من وجهين أحدهما : أنه إذا صب الشيء في الشيء فقد أثبت فيه بحيث لا يزول عنه ، وهذا يدل على التأكيد والثاني : أن إفراغ الإناء هو إخلاؤه ، وذلك يكون بصب كل ما فيه ، فمعنى : أفرغ علينا صبراً : أي أصبب علينا أتم صب وأبلغه . المسألة الرابعة : اعلم أن الأمور المطلوبة عند المحاربة مجموع أمور ثلاثة فأولها : أن يكون الإنسان صبوراً على مشاهدة المخاوف والأمور الهائلة ، وهذا هو الركن الأعلى للمحارب فإنه إذا كان جباناً لا يحصل منه مقصود أصلاً وثانيها : أن يكون قد وجد من الآلات والأدوات والاتفاقات الحسنة مما يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار وثالثها : أن تزداد قوته على قوة عدوه حتى يمكنه أن يقهر العدو . إذا عرفت هذا فنقول المرتبة الأولى : هي المراد من قوله : * ( أفرغ علينا صبراً ) * والثانية : هي المراد بقوله : * ( وثبت أقدامنا ) * والثالثة : هي المراد بقوله : * ( وانصرنا على القوم الكافرين ) * . المسألة الخامسة : احتج الأصحاب على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى بقوله : * ( ربنا أفرغ علينا صبراً ) * وذلك لأنه لا معنى للصبر إلا القصد على الثبات ، ولا معنى للثبات إلا السكون والاستقرار وهذه الآية دالة على أن ذلك القصد المسمى بالصبر من الله تعالى ، وهو قوله : * ( أفرغ علينا صبراً ) * وعلى أن الثبات والسكون الحاصل عند ذلك القصد أيضاً بفعل الله تعالى ، وهو قوله : * ( وثبت أقدامنا ) * وهذا صريح في أن الإرادة من فعل العبد وبخلق الله تعالى ، أجاب القاضي عنه بأن المراد من الصبر وتثبيت القدم تحصيل أسباب الصبر ، وأسباب ثبات القدم ، وتلك الأسباب أمور أحدها : أن يجعل في قلوب أعدائهم الرعب والجبن منهم فيقع بسبب ذلك منهم الاضطراب فيصير ذلك سبباً لجراءة المسلمين عليهم ، ويصير داعياً لهم إلى الصبر على القتال وترك الانهزام ، وثانيها : أن يلطف ببعض أعدائهم في معرفة بطلان ما هم عليه فيقع بينهم الاختلاف والتفرق ويصير ذلك سبباً لجراءة المؤمنين عليهم وثالثها : أن يحدث تعالى فيهم وفي ديارهم وأهاليهم من البلاء مثل